لماذا رواية القصص والحوار؟

الطرق التي استخدمها الرب يسوع ليست تفصيلًا جانبيًا، بل هي المنهج نفسه.

«أقوى شخص في العالم هو الراوي، فهو الذي يرسم الرؤية والقيم والأولويات لجيل كامل قادم.» ستيف جوبز، مؤسس شركة Apple

مَن أثّر في تاريخ العالم أكثر من أي إنسان آخر، حتى أكثر من ستيف جوبز؟ ميلادُ مَن صار بداية التقويم الذي نعدّ به السنين؟ مَن جاء راويًا وسائلًا ومُصغيًا؟ إنه الرب يسوع، النجّار الباني من الناصرة، الذي اجتذب جموعًا بقيت معه أيامًا، وما زالت قصته تشكّل حياة الملايين في كل جيل.

نستطيع أن نقول إن الرب يسوع هو صاحب أعظم تأثير في تاريخ العالم، في الماضي والحاضر. ولم يكن سرّ تأثيره منصبًا أو قوة، بل الطريقة التي تكلّم بها، والكلام الذي قاله. لقد كان بارعًا في رواية القصص وفي الحوار، ولم يتكلّم إلا بكلام الله. فما مفتاح أسلوبه؟

43%
من الكتاب المقدس سرد قصصي، فالقصة هي الأسلوب الغالب في كلمة الله
3–11%
فقط من سامعي الرب يسوع كانوا يقرأون، فكان يعلّم للآذان لا للعيون
36–80 سنة
عاشها العهد الجديد كلامًا منقولًا شفهيًا قبل أن يُدوَّن
22 ضعفًا
أسهل في التذكّر حين يُقدَّم الحق في قصة بدل العبارات النظرية

نمت الكنيسة الأولى نموًا هائلًا بالكلمة المنطوقة. فهذا المنهج ليس جديدًا، بل نحن نستعيده.

معظم كلمة الله قصص، والقصة تُروى كقصة

لم يطلب الرب يسوع من سامعيه ولو مرة واحدة أن يفتحوا كتابًا على صفحة معيّنة. كان يتكلّم من الذاكرة، ويروي القصص، ويطرح الأسئلة، فوضع نموذج المشاركة الشفهية الذي طبع الحركة المسيحية الأولى. فقد تناقل الناس العهد الجديد شفهيًا ما بين 36 و80 سنة قبل أن يُكتب منه شيء، ونمت الكنيسة الأولى نموًا هائلًا بالطرق الشفهية.

الأسلوب الغالب في كلمة الله هو السرد القصصي، إذ يشكّل نحو 43% من الكتاب المقدس كله، وتشكّل القصص نحو ثلث تعليم الرب يسوع المسجَّل. ورواية القصص فنّ، والفنون تصنع مجرى التاريخ. ولم يصنع أحد التاريخ كما صنعه يسوع الناصري.

  1. جاءت كلمة الله في أغلبها قصصًا لا لاهوتًا نظاميًا، لأن القصة هي الطريقة التي يستقبل بها الإنسان الحق ويحفظه ويرويه لغيره.
  2. لا أحد يملّ من القصة، من أصغر طفل إلى أكبر عالِم. إنها أقدم أشكال الفن، وما زالت الوسيلة الأولى للتعليم في الثقافات الشفهية حول العالم.
  3. يتذكّر الناس المعلومة حين تُقدَّم في قصة أفضل بما يصل إلى 22 مرة من العبارات النظرية (بحسب أبحاث جامعة ستانفورد).
  4. القصة تحمل الحق إلى النور، إلى حيث يراه القلب ويشعر به ويتذكّره.

طرح الرب يسوع نحو ضعف الأسئلة التي طُرحت عليه

طرح الرب يسوع نحو 339 سؤالًا، وطُرح عليه نحو 183 سؤالًا، لكنه لم يُجب مباشرة إلا نحو 8 مرات. أي إنه كان يردّ على السؤال بسؤال أو قصة أو مثل أكثر بـ22 مرة من أن يعطي جوابًا مباشرًا. ولم يكن هذا تهرّبًا، بل أقوى أسلوب تعليمي عرفه التاريخ. فلماذا؟

  1. الاكتشاف. الأسئلة أساس الدراسة الاستقرائية للكتاب المقدس، فهي تقودنا إلى ملاحظات تساعدنا على فهم كلمة الله فهمًا دقيقًا وشخصيًا معًا. وحين يكتشف الناس شيئًا بأنفسهم يصير قناعتهم، ولا يعود فكرة غيرهم.
  2. الكرامة. الأسئلة تحترم الآخر، وتُظهر أنك تثق بقدرته على الرؤية والفهم. أما التعالي فيُغلق القلوب. وتواضع السؤال الصادق عطية: أن نصير مثل الأولاد، وهو ما قال الرب يسوع إنه شرط لدخول ملكوت الله (متى 18: 1–4؛ مرقس 10: 13–16).
  3. القناعة. الحق الذي تكتشفه بنفسك يصير قناعتك، والقناعة تقود إلى الطاعة، ولا يقدر أحد أن ينتزعها منك.
  4. الفضول والانفتاح. الأسئلة تضعنا في موقف الباحث المتشوّق المبدع، وتفتحنا لنقبل كلمة الله على أنها «الكلمة المغروسة» التي تنمو وتأتي بثمر.
  5. مساحة للروح. السؤال الحكيم والصمت الصبور يفسحان المجال للروح ليقود الإنسان إلى أن يقول من قلبه: «نعم يا رب».

أول أمر مباشر في الوصية العظمى هو: اسمع

«فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى.» مرقس 12: 29–30 · ترجمة فاندايك
«اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ.» تثنية 6: 4–5 · ترجمة فاندايك

لاحظ تركيب الكلام. ففي النص اليوناني للعهد الجديد، الكلمة الوحيدة التي جاءت بصيغة الأمر الصريح في هذا المقطع هي «اسمع». أما «تحب الرب» فجاءت بصيغة المستقبل، أي إنها تصف ما سيأتي نتيجة للسماع، لا أمرًا مستقلًا. والأمر نفسه في الأصل العبري الذي اقتبس منه الرب يسوع: كلمة «اسمع» هي الأمر المباشر الوحيد، والمحبة تنمو منها.

كثيرًا ما نركّز على المحبة على أنها هي الوصية، ويفوتنا أن أول أمر مباشر في أعظم وصية في الكتاب المقدس كله هو: اسمع.

  1. إن لم يُصغِ كل طرف إلى الآخر، فلا تواصل ولا تفاهم ولا علاقة مثمرة.
  2. الإصغاء طريق إلى المعرفة، والمعرفة طريق إلى المحبة. فحين تُصغي إلى إنسان تعرفه، ومَن تعرفه تقدر أن تحبه. وهذه عطية نقدّمها حين نُصغي إلى الله وإلى بعضنا بعضًا.
  3. وحين نُصغي إلى كلمة الله بانتباه صادق، لا لنجادل أو لنؤكّد ما نعتقده أصلًا، بل لنسمع فعلًا، يولد الإيمان. «إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ.» (رومية 10: 17).
  4. قبل أن يتكلّم الرب يسوع، أصغى. فالإصغاء جاء أولًا، حتى بالنسبة إلى الكلمة الذي صار جسدًا.

الرب يسوع نفسه بدأ هذا المنهج، وهو ابن اثنتي عشرة سنة في الهيكل

«وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. … فَقَالَ لَهُمَا: لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لِأَبِي؟.» لوقا 2: 46–47، 49 · ترجمة فاندايك

حتى تلك اللحظة، كل ما يسجّله الكتاب عن الرب يسوع أمور حدثت له: وُلد، وقُدِّم إلى الهيكل، وخُتن، وحُمل على الأذرع. أما هنا فيتصرّف لأول مرة بمبادرة منه. فماذا اختار الكلمة المتجسّد أن يفعل في أول عمل مسجّل له؟ ذهب إلى حيث تُعلَّم كلمة الله، وجلس بين المعلّمين، وأصغى، وسأل. وحين وجده أبواه، سمّى ما يفعله: «فِي مَا لِأَبِي».

في هذا المشهد أربعة أسس، وعليها يقوم كل ما تعلّمه «بذور للتربة»:

  1. تعالَ إلى كلمة الله. بقي الرب يسوع حيث كانت الكلمة تُعلَّم. فالتفاعل مع الكلمة يبدأ بالحضور، أي بالاقتراب من الكلمة نفسها، لا من كلام عنها.
  2. أصغِ. قبل أن يطرح سؤالًا واحدًا، أصغى. فالإصغاء يأتي أولًا، كما تكون التربة مستعدة قبل أن تأتي البذرة.
  3. اسأل. أدهشت أسئلته المعلّمين. فالصبي الذي سيطرح يومًا مئات الأسئلة، بدأ هنا يسأل.
  4. أطِع. ثم نزل إلى الناصرة وكان خاضعًا لأبويه، «فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ» (لوقا 2: 52). وهكذا اكتمل السماع بالعمل.

المجيء، والإصغاء، والسؤال، والطاعة. هذه الأسس الأربعة هي جوهر الاستراتيجيات الخمس، وهي ما تمرّ به المجموعة في كل مرة تتبع فيها الخطوات السبع لرواية القصص الكتابية والحوار.

لسنا نحن ولا أنت مَن ابتكر هذا المنهج، بل الرب يسوع نفسه، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، حين جاء إلى الهيكل، وأصغى، وسأل، وأطاع. وفي كل مرة تسير فيه مع أحد، فأنت تفعل ما فعله هو أولًا، وتكون مثله في ما للآب.

الصلة بالاستراتيجيات الخمس

كل هذا يرجع إلى مشهد واحد: صبيّ في الثانية عشرة في الهيكل، يكون في ما لأبيه. وكل واحدة من الاستراتيجيات الخمس، ازرع واسمع واكتشف وأفسح المجال وثِق، تعبّر عن جانب مما تصفه هذه الصفحة. فرواية القصص هي تربة استراتيجية اكتشف، وأسئلة الحوار تفتح أبواب استراتيجية أفسح المجال، والإصغاء هو الأرض التي تقف عليها الاستراتيجيات كلها. ومعًا تهيّئ البيئة التي تتأصّل فيها بذرة كلمة الله وتأتي بثمر.

قصة · سؤال · إصغاء · لقاء