«فَتْحُ كَلَامِكَ يُنِيرُ، يُعَقِّلُ الْجُهَّالَ.» مزمور 119: 130 · ترجمة فاندايك
طرح الرب يسوع في الأناجيل نحو 339 سؤالًا، وطُرح عليه نحو 183 سؤالًا، لكنه لم يُجب مباشرة إلا عن نحو 8 منها. وهذه النسبة ليست صدفة، ولا هي مجرد أسلوب تعليمي، بل نافذة نرى منها كيف أعلن الله نفسه على الدوام: باللقاء، وبالسؤال، وبتلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان ما لم يكن ليصل إليه بتفكيره وحده.
الحق الذي تكتشفه بنفسك يصير قناعتك
حين سأل أحد الناموسيين الرب يسوع: «مَن هو قريبي؟» لم يُجبه مباشرة، بل روى له قصة، ثم سأله سؤالًا، وأصغى إليه، ودعاه أن يجيب عن سؤاله بنفسه. فأجاب الناموسي، وصار الجواب قناعته هو، لا مجرد كلام سمعه من الرب يسوع. فما تكتشفه بنفسك يصير لك.
الحق الذي تكتشفه بنفسك يصير قناعتك، والقناعة تقود إلى الطاعة. حين تخبر الناس بما يجب أن يؤمنوا به، قد يوافقونك. أما حين تقودهم ليكتشفوه بأنفسهم، فإنهم يقتنعون. فالقصص والأمثلة والأسئلة تثق بقدرة الآخر على التفكير والإحساس والاستنتاج، وهذه الثقة في حد ذاتها احترام له، يفتح قلبه للتغيير.
القصص تحمل الحق إلى النور
«سَأَفْتَحُ بِأَمْثَالٍ فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» متى 13: 35 · ترجمة فاندايك
جاءت كلمة الله في أغلبها على هيئة قصة، لا على هيئة لاهوت نظامي، إذ يشكّل السرد القصصي 43% من الكتاب المقدس. وكان الرب يسوع يكلّم الجموع بالأمثال في أغلب الأحيان، حتى إن نحو ثلث كلامه المسجّل في الأناجيل أمثال. والقصة من أقدم وسائل التعليم والفن، يفهمها الناس في كل عصر وثقافة، وهي قوية خاصة لمن يتعلّمون بالسمع والكلام لا بالقراءة والكتابة. لا أحد يغفو أثناء قصة جيدة. ويشرح دليل تعلُّم القصة وروايتها خطوة بخطوة كيف تتعلّم قصة كتابية وتعيد روايتها بهذه الطريقة.
لكن قصص الكتاب المقدس لا تكتفي بجذب الانتباه، بل تقود إلى اكتشاف يصير إعلانًا. فحين قال الرب يسوع إنه يتكلّم بالأمثال ليُعلن أمورًا مكتومة منذ تأسيس العالم، لم يكن يتحدّث عن التسلية، بل عن الإعلان. فالقصة تهيّئ الظروف ليُنير الروح ما لم يكن السامع ليراه بالجدال أو بالشرح النظري وحده.
الأمثلة تجعل ما لا يُرى مرئيًا
كان الرب يسوع يستمدّ أمثلته باستمرار من الحياة حوله: امرأة تكنس بيتها، أب ينتظر على الطريق، زارع يبذر البذار، تاجر يبحث عن لؤلؤة ثمينة. لم تكن هذه زينة للدرس، بل كانت هي الدرس. فالمثل في تعليمه يأخذ ما هو أبدي وغير منظور، ويزرعه في شيء يعرفه السامع ولمسه بيده، فيصير المجرّد ملموسًا، والبعيد قريبًا.
وحين يُقدَّم الحق الأبدي في صورة مألوفة، كدرهم مفقود أو ابن ضالّ أو حبة خردل، لا يقلّ صدقه، بل يصير أقرب إلى الفهم، وأقوى حجة، وأبقى في الذاكرة. فالأمثلة جسر بين كلمة الله وحياة الإنسان. إنها تدعو السامع ليقول في نفسه: أنا أعرف هذا، وقد عشت شيئًا مثله. فإن كان ذاك صحيحًا، فهذا أيضًا صحيح.
الأسئلة تفتح الباب
كان الرب يسوع بعد أن يطرح سؤالًا يصمت ويُصغي، ثم يبني سؤاله التالي على ما قاله محدّثه. فالسؤال باب للاكتشاف: السائل يتراجع خطوة، والمُجيب يعبر من الباب. وحين تطرح سؤالًا جيدًا ثم تحتمل الصمت الذي يليه، فإنك تترك للروح مجالًا ليقود ذلك الشخص إلى جوابه هو. والجواب الذي يخرج منه أقوى من أي جواب كنت ستعطيه أنت.
ما تكتشفه هو عطية من الله
الاكتشاف في كلمة الله ليس مجرد عملية ذهنية. فحين يستخدم الروح قصة أو مثلًا أو سؤالًا ليقود إنسانًا إلى حق لم يكن ليصل إليه بنفسه، يكون قد حدث ما هو أعظم من التعلّم: لقد حدث إعلان. وقد عبّر المرنّم عن ذلك بدقة: «فَتْحُ كَلَامِكَ يُنِيرُ، يُعَقِّلُ الْجُهَّالَ.». الكلمة تدخل، فيأتي النور، ويُعطى الفهم.
لهذا قال الرب يسوع: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ» (مرقس 4: 9). فالمنهج يهيّئ المساحة، والروح هو الذي يُنير. وحين أعلن بطرس: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!» (متى 16: 16)، لم يقل له الرب يسوع: أحسنت التفكير، بل قال: «إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (متى 16: 17). كان الاكتشاف حقيقيًا، لكن الإعلان كان من عمل الله نفسه.
وحين تستخدم طرق الرب يسوع في الاكتشاف، أي القصة والمثل والسؤال، فأنت لا تُحسن التعليم فحسب، بل تهيّئ الظروف ليكلّم الله الإنسان مباشرة بكلمته.
ماذا ستكتشف
طُرح على الرب يسوع نحو 183 سؤالًا في الأناجيل، ولم يُجب مباشرة إلا عن نحو 8 منها. في هذا التدريب ستكتشف لماذا لم تكن هذه النسبة صدفة، بل طريقة للإعلان. ستتعلّم أن تروي القصص الكتابية بدقة، وأن تستخدم أمثلة تجعل الحق غير المنظور منظورًا، وأن تطرح أسئلة تفتح الحوار بدل أن تُغلقه. والأهم أنك ستكتشف بنفسك المبدأ الذي في قلب هذه الاستراتيجية: ما يكتشفه الناس بأنفسهم يصير قناعتهم، والقناعة تقود إلى الطاعة. تدرّب على ذلك عمليًا في تدريب الاستراتيجيات 1.
حين تستخدم طرق الرب يسوع، توقّع أن يكشف الله لك شيئًا جديدًا في كل مرة.
ارْوِ · اسأل · أصغِ · اكتشف«حين كنتَ تروي لنا القصص، لم تحاول أن تُظهر أنك بارع أو محترف، بل قلت لنا كلام الله كما هو. فشعرت أن الله حاضر هنا، يكلّمنا بكلامه.» مشارك في التدريب — شمال أفريقيا